عندما "يتكرّم" حسن نصرالله بعدم طلب "الضمانات" لسلاحه!
يعيدُ إعمار "ملف المقاومة" ويصيب الـ1701 والبيان الوزاري والحوار الوطني.. ويربط لبنان بأزمات المنطقة
في يوم واحد، أول من أمس، أعاد "حزب الله" تقديم ملف "المقاومة" وسلاحها، أي أعاد إبراز مبررات إستمرارها من وجهة نظره، ضاغطاً بذلك على ثلاثة عناوين دفعةً واحدة. على تشكيل الحكومة وبيانها الوزاري، وعلى طاولة الحوار الوطني، وعلى وجهة العلاقة بين لبنان وأزمة أو أزمات المنطقة.
نفخ الروح في "ملف الأسرى"
ففي خطابه في الذكرى الأولى لإنجاز عملية التبادل مع إسرائيل، نفخ الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله الروح مجدداً في ملف صراعيّ مع إسرائيل، فتحدث عن ملف أسرى ومفقودين ورفات شهداء لا يزال قائماً، وذلك بعد عام فقط من إعتباره ان هذا الملف أُقفل. وهكذا، فقد غدا يحيى السكاف أسيراً حياً، والديبلوماسيون الإيرانيون الأربعة أسرى أحياء. وفي أقل تقدير عنده، إن هؤلاء مفقودون، وكشف مصيرهم يبرر عملاً مقاوماً "قائماً بذاته".
..و"عملية" كفرشوبا
وكان خطاب نصرالله مسبوقاً في اليوم نفسه بـ"تحرك شعبي" في خراج بلدة كفرشوبا، أشبه بـ"عملية للمقاومة". لكن من غير أن تكون عسكرية، كانت العملية مدنية. ولا يخفى أن الهدف منها "التذكير" بوجود منطقتين تحت الاحتلال هما مزارع شبعا وتلال كفرشوبا.
في يوم واحد إذاً، أعاد "حزب الله" تظهير أن للمقاومة "قضية". قضية أرض وحدود من ناحية، وقضية إنسان أي قضية أسرى ومفقودين من ناحية ثانية. وها هو الملف حاضر من جديد.
بعد مخزن "خربة سلم"
وكان لافتاً أن حدثَي أول من أمس، العملية المدنية في كفرشوبا وخطاب السيد نصرالله، حصلا بعد أيام قليلة فقط من إنفجار مستودع أسلحة في بلدة "خربة سلم" جنوب الليطاني، تبين أنه مخزن أسلحة وذخائر تابع لـ"حزب الله". ولم يكلّف الحزب نفسه عناء تفسير سبب وجود ـ أو عدم إزالة ـ هذا المخزن، لا سيما أن المنطقة التي حصل فيها الإنفجار يحظّر فيها السلاح والمسلحون لأنها حصرية للجيش اللبناني ولقوات "اليونيفيل" المعززة.
لا يمكن قراءة ما جرى خلال الأسبوع المنصرم وصولاً إلى أول من أمس الجمعة، ومن ضمنه خطاب نصرالله، إلا بوصفه عملية "إعادة إعمار" لملف المقاومة وسلاحها من جانب "حزب الله". ومن نافل القول إن ما جرى يُصيب ـ أو يحاول أن يصيب ـ مجموعة من الأهداف معاً.
إصابة الـ1701 والإجماعات الوطنية
أول ما تصيبه هذه التطورات، هو القرار الدولي 1701 الذي أنهى حرب تموز 2006. ذلك أن تقديم مسوّغات لعمل مقاوم متجدد مستقل عن الدولة ومن خارجها من جهة، وعدم الإلتزام بالإمتناع عن التسلح وتخزين السلاح وممارسة العمل العسكري في منطقة جنوب الليطاني من جهة أخرى، هما تحد للقرار 1701. وإذا كان مما لا شك فيه أن القرار المذكور لم ينه قضية الأرض الحدود، وأن للبنان قضية أرض وحدود، فإن السؤال هو عن كيفية "الملاءمة" بين الإلتزام بمندرجات الـ1701 الذي تمت الموافقة عليه لبنانياً بالإجماع والذي يضع الجنوب في عهدة ثنائية الجيش "اليونيفيل" وبين تجديد عمل مقاوم من خارج الدولة.
وغني عن القول إن إصابة القرار 1701 إنما هي إصابة مباشرة لأحد الإجماعات اللبنانية الرئيسية. أي أن "حزب الله" يضيف الإجماع على الـ1701 إلى قائمة الإجماعات الوطنية "المطعونة" من قبله، ما يجعل الجنوب ولبنان بلا سقف ولا مظلة، في وقت تفتش إسرائيل عن ذريعة ضد لبنان، وفي وقت من مصلحة لبنان أن يُبقي إسرائيل في دائرة الإتهام بعدم إحترام القرار الدولي وبخرقه، وأن يبقيها في دائرة الضغوط تبعاً لذلك.
إنهاء الحوار الوطني.. وتقييد الحكومة
على أن "الإصابات" لا تقف هنا.
فعندما يعيد "حزب الله" تقديم ملف المقاومة وسلاحها بعنوانَي الأرض ـ الحدود والأسرى، يصبح "مفهوماً" معنى قول نصرالله إن "سلاحنا خارج النقاش" وقوله "لا نطلب ضمانات بشأن سلاحنا". أي أن نصرالله لا يريد فقط القول إن "سلاحنا خارج النقاش لأن هذا السلاح علّم من تجرأ على المناقشة فيه"، لكنه يريد أيضاً أن "يلبسه" وظائف ومهمات، وأن يقول إن هذا السلاح مستمر لإعتبارات وطنية لبنانية. وبهذا المعنى، وإذ تبدو "موافقة" السيّد نصرالله على بقاء موضوع السلاح على طاولة الحوار الوطني في بعبدا "مكرمة" منه(!) فإن ما يقصده فعلياً هو التطويق المسبق للحوار الجاري منذ أكثر من عام تحت عنوان "الإستراتيجية الدفاعية"، بل دفع الحوار إلى طريق مسدود، وفي "أحسن الأحوال" إحالة الحوار إلى عامل الوقت.. المفتوح، أي إنهاؤه عملياً.
تصيب التطورات إذاً القرار 1701 والإجماعات الوطنية والحوار الوطني بشأن "الإستراتيجية الدفاعية".. وتحاول أن تخفض سقف البيان الوزاري للحكومة العتيدة بحيث يصبح "نيل" البيان الوزاري للحكومة الحالية "حلماً".
.. وهات يا حوار!
الإصابات فادحةٌ. غير أن أخطر إصابة يمكن أن تحصل، هي إعتبار "حزب الله" أنه يستطيع بواسطة عملية "إعادة إعمار" الملف التي قام بها، التمويه على إحتمال إقدامه على "عمل عسكري" ذي أبعاد إقليمية في التوقيت الذي تراه إيران ملائماً لإعتباراتها الإستراتيجية.
بإختصار، إن "حزب الله" عندما يقول إنه لا يطلب "ضمانات" لسلاحه، فهو لا يفعل سوى أن يفرض مزيداً من الأمر الواقع، فـ"أنا أفعل في البلد ما أراه صائباً".. وهاتِ يا حوار!
المستقبل




